مدونة عُمر » ارشيف » أسبوع انتحار..

أسبوع انتحار..

15 أكتوبر, 2010 | مصنف في تأملاتي


أسبوع انتحار:



كانت هي إحدى المرضى المعالجين في مشفانا الجامعي, عانت كثيرا ً في حياتها المرضية , حيث كانت تشتكي من فشل كلوي  جعلها تتردد كثيرا إلى المستشفى؛ لعملية غسيل الدم(الغسيل الكلوي) , وقد امتلأ جسدها بالحقن في كل مكان  من هذه العملية , وقد منعت من تناول البروتينات والألبان ما عدا القشطة والزبدة  كما منعت من النشويات , وأما السوائل فجميعها ممنوعة ما عدا عصير التفاح الغير محلى , وأما الماء فلا يسمح بتناوله إلا عند الشعور الشديد بالعطش , فالكمية المسموحة في اليوم هي 500 مليليتر فقط , أي ما يعادل كأسين , فإذا زادت عليها ارتفع ضغط الدم وأجهد القلب, وإذا قلت تسبب انخفاض الضغط ومن ثم الدوار, وأما العدو الأول لمرضى الفشل الكلوي فهو الملح فجميع الأطعمة المحتوية على الملح ممنوعة .

هذه كانت معاناة المسكينة التي أفقدتها السيطرة لقلة إيمانها , فقررت أن تنتحر,


في يوم الخميس المنصرم , طلبت ش ,30 عاما ً من أختها إحضار 2كيلو من الموز وقامت بتناوله ، فماتت ؛ لأن الموز يحتوي على كميات كبيرة من البوتاسيوم الذي هو غذاء العضلات والأعصاب , وكثرته تهدد قلب صاحب الكلى السليمة وتقتله فكيف بمن هو مصاب بالفشل الكلوي؟! ..

وعنصر البوتاسيوم يستخدم كحقنة في بعض الدول للإعدام , ففي نفس الأسبوع , نفذت في الولايات المتحدة عملية إعدام لامرأة ,41عاما ً , عن طريق حقن إبرة بوتاسيوم (القتل الكيميائي) ؛لأنها قتلت زوجها وابنه  طمعا ً بالمال الذي ستحصده من التأمين والمقدر بـ 350 ألف دولار أمريكي.

وفي يوم الثلاثاء من أسبوع الانتحار ,  كان هناك فاجعة من نوع آخر حينما أقدم شاب ثلاثيني على الانتحار في أحد المجمعات التجارية في المنطقة حينما رمى بجسده من الطابق الثالث من مواقف السيارات ليسقط متهشما ً على الأرض ويموت في حينه ..

لا إله إلا الله .. أهكذا أصبح المسلمون ؟! أين إيمانهم بربهم ؟! أبهذه السهولة يلقون بأنفسهم إلا الجحيم ؟! ألا يعلمون أن جسدهم وأنفسهم أمانة ؟! لماذا لا يحفظون هذه الأمانة ؟!..

لقد كثرت في الآونة الأخيرة وللأسف عمليات الانتحار, وما أسفلت من قصص تجسد العدد الخيالي لعمليات الانتحار, إذ أن ما ذكرت من عمليات الانتحار قد حدثت في أسبوع واحد في مدينة واحدة , وهذا ما علمته أنا أو شهدته! , وما خفي كان أعظم ! , فكيف بالمدن الأخرى في نفس الدولة , بل الدول المسلمة الأخرى في نفس الأسبوع , عدد رهيب ممن يلقون بأنفسهم إلى التهلكة ! , دون أي اكتراث للعاقبة , وقد نسوا قوله عزوجل : (.. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..(195))  سورةالبقرة.

إن الحياة مدرسة فلنتعلم منها ما نستطيع من تجارب غيرنا ..

فلنحمد الله تعالى على الصحة التي رزقنا, فكثير من المرضى حُرموا صحتهم وعافيتهم, بل إن بعضهم حُرموا لذة الطعام والشراب ولذة النوم ونحن نهنأ بهم ولا نشعر بقيمتهم ؛لأننا لم نفقدهم ! فهذه المريضة المسكينة عانت وعانت حتى انتحرت !, ولم تصبر على المصيبة ونست قوله تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ { 155 } الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ { 156 } أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ { 157}) سورة البقرة, ونحن بدورنا يجب علينا أن نشكر الله على نعمته التي أنعم علينا, ولنحافظ على أجسادنا ولنقتصد في الأكل والشرب, كي لا يصيبنا داء السمنة وغيره من أمراض العصر من ضغط وسكري .. ولنمارس الرياضة والتمارين لكي نحرق الدهون المترهلة والسقوم المهلكة .. والأجدر بالإنسان  أن يلتزم بما كان يفعله رسولنا عليه الصلاة والسلام الذي كان لا يأكل حتى يجوع , وإذا أكل لا يشبع , هكذا نحافظ على أجسادنا ونقلل من أمراضنا . الآن أصبح الأكل جزءا ً من التسلية ,فإذا شعر البعض بالملل , ذهب وأحضر شيئا ً ليأكله أو يشربه , وهذا خطأ , فليربي كل منا نفسه وليحافظ على جسده , ليهنأ بعيشة سعيدة ويحفظ أمانة ربه .. وأما أسباب الانتحار فإنها تتعدد وتتنوع , فقلة الوازع الديني والبعد عن الله من أهم الأسباب , فليقترب الإنسان من ربه وليدعُ الله بالثبات في كل صلاة وليستعذ من الهم والحزن , وأما الجشع والطمع فهو سبب مهم أيضا ً , فكم من أناس عاشوا حياة ليست حياتهم , حيث يستدينون الملايين من البنوك وأصحاب الأموال ليتمتعوا بها في تلك اللحظة, فيركبوا سيارة فارهة , ويسافرون هنا وهناك , ويلبسون ما لايستطيعون دفع ثمنه , فيغفلون وينسون أن هذه الأموال ليست أموالهم إنما هي أموال البنوك والناس حتى تصيبهم الصدمة في النهاية حينما تطالبهم الناس والبنوك بأضعاف الأموال التي تدينوها ! , في الوقت الذي هم فيه بأشد الحاجة للقليل لمجرد الأكل والشرب! , فيتهربون من الناس حتى يصل بهم التفكير إلى الانتحار والعياذ بالله ,  وفي هذا الزمان أصبح الفقير هو الأكثر حرصا ً على شراء أغلى ما في السوق, ليتفاخر بما عنده , لأنه في الحقيقة يشعر بالنقص , إذ أنه يجهل أن سعادة الأموال ليست هي السعادة الحقيقة , فكم من أناس عرفناهم ملكوا أموالا لا تحصى لكنها لم تنفعهم  لا في دينهم ولا في حياتهم! , بل كانت سببا ً  في همهم وتعاستهم! , بل إن المريض منهم يتمنى لو دفع جُل ماله من أجل أن يظفر بنعمة الصحة والعافية التي فقدها , كثير منا يجهل هذه النعمة ولا يقدرها , وأكبر دليل على ذلك هو الإقدام على عملية الانتحار من أناس مسلمين .

تذكروا أيها الإخوة أن السعادة تكون بالقناعة والقرب من الله لا بحمل الديون والشحوم التي تفسد الحياة وتفسد الجسد , فتكون الحياة بحملها قطعة من العذاب! , أسأل الله أن يرحم جميع المسلمين وأن يهديهم للحق والصواب ويعينهم على الثبات وصلى الله على محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.



30 sep.2010

21من شوال 1431هــ

يمكنك ترك تعليق أو تعقيب. من مدونتك.


تعليقات 10 على “أسبوع انتحار..”

  1. بما أن الموضوع طرح فاسمح لي أن ألقي تعجبي و أسفي لمن يؤول به المآل إلى هذا الطريق …

    * تعلق بالدنيا و اهتمام بالتوافه.
    * دخول في مأزق بالديون و السرقات.
    * الهروب منه بالانتحار.

    عندما يرضى الإنسان لنفسه الدنو و العيش بتعاسة و البعد عن خالقه ،وحين يرضى لنفسه أن يغوص بين المهلكات و تصبح نفسه عليه رخيصة لا تساوي الرصاصة التي يقتلها بها… يكون الانهزام.
    فلنشحذ الهمم و لنعلي مستوى تفكيرنا و نشغل أنفسنا في بناء أنفسنا ثم أسرنا ثم أمتنا لنعلي كلمة الحق..

    أشكرك يا دكتور على الكلمة الطيبة التي وجهتها من واقع الحياة.

  2. ( تذكروا أيها الإخوة أن السعادة تكون بالقناعة والقرب من الله )

    د.عمر سررت بالمرور على مدونتك و قراءة ما خطه قلمك .. بالتوفيق ان شاء الله

  3. لآ إله إلا الله ,,
    أحرفك جميلة ,,
    يآآ الله على هذه المسكينة فعلآ أن الأنسآن أحيآنآ يتمنى الموت على رغم المصأئب اللتي تأتي له
    ولكـن نؤمن بأن كل ما يصيبنآ من خير وشر غنمآ هو ابتلآء وان الله إذا احب قومآ إبتلآهم
    الحمد لك ربي على كل ما يصيبنآ ولكـن الإنسآن يحتآج لقليل من الصبر
    غفر الله لهآ ورحمهآ
    لكـن على الإنسآن أن يصبر وليعلم أن ربي هو سبحآنه قال ( وُبشّر الصَابريْن ),,
    جزيت الجنآن أخي على الكلمآت الجميلة ,,
    دمت ودآآم قلمك المبدع ’’

    أختك ,

  4. ريم الدوسري
    14:11, 16.10.2010

    يالله أين الصابرين..

    أيننا مِن قولهِ تعالى:{ولقد خلقنا الأنسان في كبد} أي يكابِد الأمور
    الحمدلله على مأنعمنا بهِ مِن صحه..
    وجزاك الله خيراً..

  5. أحمد القوز:
    أشكرك أخي أحمد على تعقيبك وإضافتك..
    ارجو من الله الثبات لنا جميعا ً
    أسأل الله أن يحفظك
    ولا تحرمنا من إضافاتك الرائعة

  6. محمد الخلاوي:
    أخي الغالي الدكتور محمد , لقد سررت كثيرا ًلمرورك مدونتي وقراءتك .. اتمنى منك الإستمرار على ذلك
    ولا تحرمني من تعليقك وإضافتك ..
    دمت بود

  7. منآر المقرن:
    أختي منار جزاك الله خيرا ً على الإضافة
    شكرا ً جزيلا ً على قراءة الموضوع وعلى متابعتك للجديد أول بأول ما شاء الله ..
    أسأل الله أن يحفظك وأن يديم صحتك

  8. ريم الدوسري:
    أختي ريم , شكرا ً على الإضافة
    فعلا ً نحن بحاجة الى الصبر في جميع الأمور لننال البشارة التي وعد الله بها الصابرين
    سررت بقراءتك وتعليقك ..
    دمت بخير

  9. صار أسبوع انتحار بالصدفه ,,,,,,
    ولأن محور قصتك لمريضة فشل كلوي أو بيشنة هيمو ديال كما نقولها لبعضنا

    حينما ننتظر دورنا للغسله في انجليزيه معربه

    أقول لك ومن تجربتي مع المرض وتخصصي … السبب الأول ربما لهذه الحاله ليس الانتحار عمداً

    انما مريض الديال يمر احياناً بمرحلة لامبالاة اتجاه نفسه أو ماحوله تفوق حد وصفي ,,,
    تخصصي الدراسي وتجربتي لنفسي ولمن عاشرتهم في وحدة AKU تثبت ذلك
    وربما أن السبب هو الروتين القاتل وطول الفتره الزمنيه للمرض مع التخلي أو التجاهل من محيط
    أسرة المريض ,,,,,,

    المرضى رغم تثقفهم حول مرضهم الا انهم يمرون بها
    الحاله موجوده وغير مدرجه في
    التعامل مع هذه الفئه من قبل اخصائي التغذيه والاخصائي الاجتماعي
    بعض المرضى يحتاج اخصائي نفسي حتى ينتشله من هذه الحاله ومساعدته لتخطي الاحباط الداخلي الذي يتمظهر بلامبالاة

    تقبل تعليقي وتعليقك على كلامي يسعدني كثيرا
    أشكرك مرة أخرى

  10. لاما :
    أشكرك على ردك وتفاعلك فمعظم ما ذكر في ردك صحيح
    لكن..
    لا نستطيع أن نتغافل عن عدد المنتحرين سنويا ً الذي يقترب من المليون إنسان .(إحصائية الأمم المتحدة)
    ففي كل 40 ثانية هناك شخص ينتحر في العالم .
    فحسب إحصائية للأمم المتحدة أن هناك 450 مليون شخص يعانون من إضطرابات نفسية وعصبية , وأن 90% من المنتحرين يرتبط سبب انتحارهم بإضطرابات نفسية وتحديداً الكآبة أو فقدان الأمل
    فالكآبة واليأس حينما تسيطران على مشاعر الشخص الضعيف فإنها تزيد من قابلية الإنتحار
    وبذلك فإن ضعف الوازع الديني له دورٌ أيضا ً
    فيجب أن يراعي الطبيب الإضطرابات النفسية للمرضى وتوفير الحالة النفسية السليمة لهم
    وبالطبع فإن الطبيب لا يعالج المرض بإذن الله الا بعد وقوعه حيث يقوم بتحليلة ودراسته ومن ثم إيجاد العلاج الازم له
    حتى الآن الأطباء لم يستطيعوا إيجاد علاج للإنتحار أو التقليل من الإنتحار الذي نسبته شبه ثابتة سنويا ً بمعدل مليون منتحر.
    ولكن ديننا ً حثنا على الصبر على البلاء والتفائل وأن مع العسر يسرا وقد قال تعالى في سورة النساء
    ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )29( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا …)30
    هذا والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اكتب تعليقك